Sawt Falasteen - أزمة النيل تنتقل من الخلاف المائي إلى صراع إقليمي أوسع

أزمة النيل تنتقل من الخلاف المائي إلى صراع إقليمي أوسع
أزمة النيل تنتقل من الخلاف المائي إلى صراع إقليمي أوسع

أزمة النيل تنتقل من الخلاف المائي إلى صراع إقليمي أوسع

منذ أيّام، أعلنت فصائل إثيوبية مُسلّحة تشكيل تحالف لإسقاط حكومة آبي أحمد.

Tamaño del texto:

منذ أيّام، أعلنت فصائل إثيوبية مُسلّحة تشكيل تحالف لإسقاط حكومة آبي أحمد. وقامت قوات تيغراي بالسيطرة على مطار ميكيلي الإقليمي ومطاري أكسوم وشير، ممّا دفع الخطوط الجوية الإثيوبية لتعليق رحلاتها فوراً.

الحكومة الإثيوبية تُلمّح باستمرار إلى أنّ التحالف المسلّح مدعوم من قوى خارجية (وتتهم جارتها إريتريا أو تلمّح لمصر) لزعزعة استقرارها، بينما تنفي مصر رسمياً تدخّلها في شؤون جيرانها، وتؤكّد أنّ تحالفاتها في القرن الأفريقي شرعية ودفاعية لحماية مصالحها وأمن الصومال.

في وسط كلّ هذه الاتهامات، يُعاد التفكير في ملف سد النهضة الملف الذي أرّق القاهرة، وآلت المفاوضات بشأنه إلى منطقة ضبابية، حتى نهضت النزاعات الشرسة مؤخّراً في إثيوبيا ليتم طرح هذا الملف مرّة أخرى مع أسئلة ملّحة حول إمكانية أن يتراجع آبي أحمد مرّة أخرى إلى طاولة المفاوضات، ويصل إلى حلّ عادل مع القاهرة حول حصّتها التاريخية في مياه النيل؟

الاعتماد على حسن النيّات في زمن التغيّر المناخي الشرس انتحار استراتيجي لا يمكن لأي دولة أن تغامر به

لسنوات طويلة، جرى اختزال أزمة سدّ النهضة الإثيوبي في أرقام السعة التخزينية ومعدّلات التدفّق السنوي للمياه. لكن الحقيقة الاستراتيجية أنّنا لا نواجه مجرّد مشكلة هندسية أو خلافاً على حصص مائية، بل نشهد إعادة صياغة كاملة لموازين القوى في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، حيث تُستخدم المياه أداةً للهيمنة السياسية وإعادة رسم النفوذ الإقليمي.

تعاني أزمة السد من تضارب السرديات التاريخية. تعيش إثيوبيا تحت وطأة عقدة تاريخية مفادها أنّ الاتفاقيات السابقة (مثل اتفاقيتَي 1929 و1959) هي بالنسبة لها إرث استعماري مُجحف، حتى وإن لم تكن طرفاً فيها بصفة مباشرة في بعض الفترات. هذه العقدة ولّدت سلوكاً سياسياً يقوم على الرفض المُطلق لكلّ ما هو قديم ومفروض تاريخياً، والرغبة في تأسيس قواعد لعبة جديدة بالكامل تكون فيها أديس أبابا هي المرجعية الأولى. هذه الوجهة السياسية تفسّر لماذا فشلت كافة الوساطات الدولية، سواء كانت برعاية واشنطن أو الاتحاد الأفريقي.

بالنسبة للجانب الإثيوبي، فإنّ التوقيع على اتفاق قانوني مُلزم يُنظر إليه داخلياً كأنّه تنازل عن السيادة الوطنية، وتكبيل للإرادة السياسية الصاعدة. في المقابل، ترى القاهرة أنّ غياب هذا الاتفاق هو بمثابة تفويض مفتوح للطرف الآخر للتحكّم في صنبور المياه في منازل المصريين وفقاً لأهوائه السياسية أو أزماته الداخلية. هذا الجدار السميك من عدم الثقة المُتبادلة هو الجوهر الحقيقي للأزمة، وليس كمية المياه المُخزّنة خلف السد.

سيناريوهات متطرّفة لحوض النيل، تتراوح بين سنوات جفاف قاسية تعقبها سنوات فيضانات عارمة وغير متوقعة

أحد أكبر الأخطاء في إدارة هذا الملف هو التعامل مع تدفّقات النيل كأرقام ثابتة ودائمة. رغم أنّنا نعيش في عصر الاضطراب المناخي؛ فالنماذج العلمية الحديثة تتوقّع سيناريوهات مُتطرّفة لحوض النيل، تتراوح بين سنوات جفاف قاسية تعقبها سنوات فيضانات عارمة وغير متوقّعة. وهنا تكمن الخطورة الكبرى لغياب التنسيق المُشترك.

في سنوات الوفرة، قد لا تشعر دول المصب بأيّ أثر سلبي للسد، بل قد يساهم في تنظيم التدفّقات. لكن الاختبار الحقيقي والصادم سيحدث عند قدوم دورة الجفاف المُمتدّ (التي تتكرّر تاريخياً كلّ بضعة عقود). من دون آلية تشغيل مُشتركة ومُلزمة، كيف ستتصرّف إثيوبيا عندما تجد نفسها مُضطرة للاختيار بين الاحتفاظ بالمياه لتوليد الكهرباء لشعبها أو تمريرها لإنقاذ الملايين في السودان ومصر؟

الاعتماد على حسن النيّات في زمن التغيّر المناخي الشرس انتحار استراتيجي لا يمكن لأي دولة أن تغامر به.

الوجود المصري المُكثّف في القرن الأفريقي، وبناء تحالفات أمنية وعسكرية مع دول مثل الصومال وإريتريا، يمثّل تغييراً في قواعد الاشتباك السياسي. حتى لو نفت القاهرة ارتباط وجودها العسكري بملف سدّ النهضة، لكن هذا الوجود في حدّ ذاته رسالة غير مُعلنة تُبطن أنّ أيّ محاولة لعزل مصر مائياً سيُقابلها تطويق جيوسياسي موازٍ.

لم تعد القضية محصورة في أروقة مجلس الأمن أو الاتحاد الأفريقي، بل تحوّلت إلى رقعة شطرنج واسعة تشمل أمن البحر الأحمر، خطوط التجارة العالمية، والاستقرار الداخلي لدول القرن الأفريقي بالكامل.

السد أصبح واقعاً خرسانياً لا يمكن إنكاره، ومصر أثبتت قدرتها على التكيّف الفني المؤقّت مع مراحل الملء الأولى. لكن الاستمرار في تجاهل مخاوف دول المصبّ وإصرار أديس أبابا على إدارة النهر كملكية خاصة لن ينتج عنه سوى بيئة إقليمية مسمومة، ودولاً حائرة بين الاستقرار الهش أو الاضطراب المُستدام.

Q.Jaber--SF-PST