Sawt Falasteen - التعافي وسط الحرب.. مقاربة نفسية تتجاوز مفهوم النجاة

التعافي وسط الحرب.. مقاربة نفسية تتجاوز مفهوم النجاة
التعافي وسط الحرب.. مقاربة نفسية تتجاوز مفهوم النجاة

التعافي وسط الحرب.. مقاربة نفسية تتجاوز مفهوم النجاة

في الأوقات العادية، يبدو الشفاء مفهومًا واضحًا. يمرض الإنسان، ثم يتلقى العلاج، وتزول الأعراض، ويعود إلى حياته. لكن ماذا يحدث عندما تكون البيئة نفسها التي يعيش فيها الإنسان مصدرًا مستمرًا للخطر؟ ماذا يحدث عندما يحاول الإنسان أن يتعافى، ثم يأتي انفجار يعيد إليه الخوف؟

Tamaño del texto:

في الأوقات العادية، يبدو الشفاء مفهومًا واضحًا. يمرض الإنسان، ثم يتلقى العلاج، وتزول الأعراض، ويعود إلى حياته. لكن ماذا يحدث عندما تكون البيئة نفسها التي يعيش فيها الإنسان مصدرًا مستمرًا للخطر؟

ماذا يحدث عندما يحاول الإنسان أن يتعافى، ثم يأتي انفجار يعيد إليه الخوف؟ أو يفقد شخصًا جديدًا في حين لم يكن قد انتهى من الحداد على من فقدهم من قبل؟

هنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟ ربما علينا قبل الإجابة أن نعيد تعريف معنى الشفاء.

الشفاء ليس دائمًا أن نعود كما كنا في الظروف الطبيعية، قد يعني التعافي أن يعود الإنسان إلى حالته السابقة للمرض أو الصدمة. لكن في الحرب، قد لا تكون العودة ممكنة.

فالإنسان الذي فقد بيتًا، أو شخصًا عزيزًا، أو سنوات من حياته، لا يستطيع ببساطة أن يعود إلى النسخة التي كان عليها قبل كل ذلك. ولهذا، فإن مطالبة الإنسان بأن "يعود كما كان" قد تكون مطالبة غير واقعية. ربما يكون التعافي هنا شيئًا آخر:

أن نتعلم كيف نعيش بما حدث، دون أن يسمح لنا ما حدث بأن يفقدنا القدرة على الحياة. لا يمكن أن نطلب من النفس أن تشعر بالأمان في بيئة غير آمنة

من أكثر الأخطاء شيوعًا أن نتعامل مع الإنسان وكأن مشكلته داخلية فقط. نقول له: لا تقلق، فكر بإيجابية، كن قويًا، تجاوز ما حدث. لكن كيف يمكن للإنسان أن يشعر بالأمان، في حين لا يزال الخطر حاضرًا؟ الأمان النفسي ليس قرارًا ذهنيًا. إنه يحتاج إلى بيئة تساعد عليه.

ولهذا، فإن الإنسان في الحرب قد لا يستطيع الوصول إلى "الشفاء الكامل"، لكنه يستطيع الوصول إلى درجات من التعافي تساعده على الاستمرار. التعافي قد يكون في الأشياء الصغيرة

قد يكون التعافي أن تنام ليلة واحدة بهدوء، أن تضحك دون أن تشعر بالذنب، أن تستعيد قدرتك على التركيز، أن تستطيع الحديث عن شخص فقدته دون أن تنهار تمامًا، أن يعود الطفل إلى اللعب ولو لفترة قصيرة، أن تجد رغبة في التخطيط للغد، حتى لو كان التخطيط بسيطًا. هذه الأشياء قد تبدو صغيرة لمن يعيش في ظروف مستقرة، لكنها في الحرب إنجازات نفسية حقيقية.

لا نحتاج إلى أن ننسى كي نتعافى كثيرون يعتقدون أن الشفاء يعني التخلص من الذكريات المؤلمة.. لكن الذاكرة ليست مرضًا يجب محوه. قد تبقى الصورة، ويبقى الاسم، ويبقى المكان، ويبقى الحنين.

لكن ما يتغير هو علاقتنا بالذكرى. في البداية قد تكون الذكرى قادرة على إسقاط الإنسان في الماضي بكل تفاصيله. ومع التعافي، قد تصبح جزءًا مؤلمًا من قصته، لكنه يستطيع حملها والاستمرار.

الشفاء ليس أن ننسى ما حدث، بل أن نتوقف عن العيش داخله. التعافي ليس خطًا مستقيمًا

في الحرب، قد يشعر الإنسان بأنه تحسن لأسابيع، ثم تأتي حادثة أو خبر أو ذكرى فتعود المشاعر بقوة، وقد يظن عندها أنه عاد إلى نقطة الصفر. لكن الأمر ليس كذلك بالضرورة. التعافي يتحرك أحيانًا إلى الأمام، ثم يتراجع قليلًا، ثم يستعيد طريقه، وهذا طبيعي في بيئة مضطربة. لذلك لا ينبغي أن نقيس التعافي بسؤال: "هل انتهى الخوف؟" بل بأسئلة أكثر واقعية: هل أصبح الإنسان أقدر على التعامل معه؟ هل يستطيع العودة إلى نشاطه بعد نوبة خوف؟ هل ما زال قادرًا على التواصل مع الآخرين؟ هل ما زال يرى معنى في حياته؟ هذه مؤشرات أكثر أهمية.

في غزة، التعافي مسؤولية جماعية لا يمكن أن نضع كل مسؤولية التعافي على الفرد. فالإنسان يحتاج إلى الأسرة، والمجتمع،

والمدرسة، والخدمات الصحية والنفسية، وإلى بيئة تحترم كرامته. حين يجد الإنسان من يسمعه، ومن يساعده، ومن يحفظ له كرامته، فإن المجتمع يصبح جزءًا من عملية التعافي. ولهذا فإن بناء القدرة النفسية للمجتمع لا يقل أهمية عن علاج الفرد.

لكن علينا أن نحذر من تمجيد الصمود من الجميل أن نتحدث عن صمود الغزيين. لكن الصمود قد يتحول إلى عبء إذا أصبح توقعًا دائمًا من الإنسان.

ليس مطلوبًا من الجميع أن يكونوا أقوياء طوال الوقت، من حق الإنسان أن يتعب، ومن حقه أن يبكي، ومن حقه أن يقول: "لم أعد أستطيع." فالاعتراف بالتعب لا ينقض الصمود.

أحيانًا يكون الاعتراف بالحاجة إلى المساعدة هو أحد أكثر أشكال القوة نضجًا. ربما لا يكون هدفنا الآن أن نصل إلى حالة مثالية من الهدوء. ربما يكون الهدف الأكثر واقعية هو أن نحافظ على قدرتنا على الحياة. أن نحمي الأطفال قدر الإمكان. أن نحافظ على العلاقات. أن نخلق روتينًا حين نستطيع. أن نترك مساحة للفرح دون شعور بالذنب. أن نتحدث عن الألم بدل أن ندفنه. وأن نطلب المساعدة عندما يصبح الحمل أثقل من قدرتنا على احتماله.

هذه ليست حلولًا للحرب. لكنها طرق لحماية الإنسان من أن تتحول الحرب إلى عالمه الداخلي بالكامل. وفي النهاية.. هل يمكن أن نُشفى داخل الحرب؟ ربما لا نستطيع أن نتحدث عن شفاء كامل بينما الجرح ما زال يُفتح. لكننا نستطيع أن نتعافى.

نستطيع أن نستعيد جزءًا من قدرتنا على النوم، والحب، والضحك، والتواصل، والتخطيط، وصناعة المعنى. نستطيع أن نمنع الحرب من أن تأخذ منا كل شيء. فالشفاء في مثل هذه الظروف ليس أن نخرج من الحرب وكأن شيئًا لم يحدث. بل أن نخرج منها، مهما كانت جراحنا، وما زال في داخلنا شيء يقول:

لقد حدث الكثير.. لكنه لم يأخذ مني إنسانيتي كلها. وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق للتعافي: أن نتعلم كيف نحيا، حتى قبل أن تنتهي الحرب.

F.Qawasmeh--SF-PST